ابن عجيبة
169
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : « أىّ منقلب » : مفعول مطلق لينقلبون ، والأصل : ينقلبون أىّ انقلاب ، وليست « أيا » : مفعول « يعلم » ؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله . وجملة : « ينقلبون » : معلّق عنها العامل ، فهي في محل نصب ؛ على قاعدة التعليق ، فإنه في اللفظ دون المحل . يقول الحق جل جلاله : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي : أخبركم أيها المشركون عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ، ودخل حرف الجار على « من » الاستفهامية ؛ لأنها ليست للاستفهام بالأصالة . ثم أخبرهم ، فقال : تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ : كثير الإفك ، وهو الكذب ، أَثِيمٍ ؛ كثير الإثم ، وهم الكهنة والمتنبئة ، كشق وسطيح ومسيلمة . وحيث كانت حالة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منزهة أن يحوم حولها شئ من ذلك ، اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى اللّه عليه وسلم . يُلْقُونَ السَّمْعَ وهم الشياطين ، كانوا ، قبل أن يحجبوا بالرجم ، يلقون أسماعهم إلى الملأ الأعلى ، فيختطفون بعض ما يتكلمون به ، مما اطلعوا عليه من الغيوب ، ثم يوحون به إلى أوليائهم . وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ فيما يوحون به إليهم ؛ لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا . وفي الحديث : « إنهم يخلطون مع ما سمعوا مائة كذبة » « 1 » ، فلذلك يخطئون ويصيبون ، وقيل : يلقون إلى أوليائهم السمع ، أي : المسموع من الملائكة . وقيل : الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين ، ثم يبلغون ما يسمعون منهم إلى الناس ، وَأَكْثَرُهُمْ أي : الأفّاكون كاذِبُونَ : مفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم . والأفّاك : الذي يكثر الإفك ، ولا يدلّ على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك ، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلّ من يصدق منهم فيما يحكيه عن الجنّة . ولما ذكر الكهنة ذكر الشعراء وحالهم ؛ لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن ، فينتفى كونه كهانة وشعرا ، كما قيل فيه ، فقال : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ : مبتدأ وخبر ، أي : لا يتبعهم على باطلهم إلا الغاوون ، فإنهم يصغون إلى باطلهم وكذبهم ، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ، ومدح من لا يستحق المدح ، وهجاء من لا يستحق الهجو ، ولا يستحسن ذلك منهم إلا الْغاوُونَ ، أي : السفهاء ، أو الضالون عن طريق الرشد ، الحائرون فيما يفعلون ويذرون ، لا يستمرون على وتيرة واحدة فيما يقولون ويفعلون ، بخلاف غيرهم من أهل الرشد ، المهتدون إلى طريق الحق ، الثابتين عليه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الطب ، باب الكهانة ، ح 5762 ) وفي ( التوحيد ، باب قراءة الفاجر والمنافق ، ح 7561 ) ، ومسلم في ( السلام ، باب تحريم الكهانة ، 4 / 1750 ، ح 2228 ) ، عن السيدة عائشة ، ولفظه : « . . . تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنىّ ، فيقرها في أذن وليّه ، فيخلطون معها مائة كذبة » .